صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

225

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه ، فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب « 1 » ، فقالوا : يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، ف إما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلى بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه ، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ، ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما هو عليه يظهر دين اللّه . فذهب الوفد مرة أخرى إلى أبي طالب ، فقالوا له : يا أبا طالب : إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين . . . ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعدوانهم ، ولم يطب نفسا بتسليم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم ولا خذلانه ، فدعا أبو طالب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له : يا بن أخي : إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فقال عليه الصلاة والسلام : « يا عم واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه ، أو أهلك فيه ما تركته » « 2 » ، ثم استعبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبكى ثم قال ، فلما ولى ناداه أبو طالب ، فقال : أقبل يا بن أخي ، فأقبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا « 3 » . ولما فشل المشركون مع أبي طالب في أن يتخلى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عمدوا إلى المستضعفين من المسلمين فأنزلوا بهم من الأذى والاضطهاد والتعذيب الشيء الكثير « 4 » . ولما ازداد الأذى بالمسلمين أمرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة إلى الحبشة لأنها أرض صدق وبها ملك لا يظلم أحدا ، فهاجر عدد من الرجال والنساء في السنة الخامسة ثم لحق بهم مهاجرون آخرون بعد بضعة شهور حتى وصلوا إلى ثلاثة وثمانين رجلا مع بعض النساء . وخافت قريش من انتشار الإسلام خارج مكة فأرسلت رجلين إلى النجاشي ملك الحبشة بهدايا قيمة بغية استعادة المهاجرين إلى مكة ، فلما طلبا من النجاشي تسليمهم استدعاهم النجاشي وسألهم عن أمرهم فتحدث نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - وعرض في إيجاز جوهر دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 / 297 ، وقد ذكر ابن هشام من هؤلاء عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، وأبو البختري ، والأسود بن عبد المطلب ، وأبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، وغيرهم . ( 2 ) سيرة ابن هشام 1 / 299 ، وتاريخ الطبري 2 / 326 ، سيرة ابن كثير 1 / 474 - 475 . ( 3 ) سيرة ابن هشام 1 / 299 ، وقارن بالمراجع العديدة التي ذكرت هناك . ( 4 ) ابن تيمية - الجواب الصحيح 1 / 194 ، البلاذري - أنساب الأشراف 1 / 158 - 197 .